" ياااااااه عشرون عاما قد مضت ولم يتغير اي شيء حتي مدخل قريتنا..."!!
انطلقت تلك الكلمات من فمي لتصتدم بمدخل قريتنا المتهالك.. ذلك المكان الذي ما كان أحدا يحسبه في تلك الساعة المتأخرة من الليل الا ملاذا لقصص الاشباح و"العفاريت" التي كنا نحكيها ونتبادلها في نهم ونحن صغار..........
يااااه عشرون عاما تحملني بلاد العالم وموانيه ومطاراته لم انس للحظة تلك الذكريات......
توقفت سيارتي وكأنها احست بحنين راكبها الي ذلك المكان الذي لم تكن بالطبع قد رأته من قبل وهي وليدة عامها هذا.. ولكنه كان محفورا في قلب سيدها ذلك الرجل الذي يرفل في العقد الخامس او السادس من عمره....والذي قد هد ذاكرته الشيب فتركها أطلالا لا تحوى من حطام الايام شيئا غير ليالي البعد عن الوطن واهات الغربة القاسية..........
ترجلت من السيارة وتوجهت اقدامى إلى مكان كم كانت تجري اليه اما الان فلا تستطيع حتي أن تمشي وقد هدها طول الترحال وبدانة الكهولة....
كان هذا المكان هو محطة القطار. ..كم كنا نلعب عندها انا ومجدى ورجب ومحمود وسبعاوي...
ياتري شكلهم بقي اية دلوقتي لسه فاكرايني...؟.
هاهي المحطة أخيرا...، كان محصل التذاكر نائم كعادة ما تركته! ،كم هوعجيب هذا الشعب!.. كم يحافظ علي التقاليد وخصوصا تلك المختومة منها بدمغات الحكومة!
لم اشأ ان اوقظه كان يبدوا انة لم ينم منذ عشرات السنين فالرجل شقيان وهذا وقت ورديته......
مددت بصري المتهالك يمسح الرصيف فلم الحظ اي شخص يتحرك، هكذا اوهمني نظري او ماتبقي من نظري بعد هذا العمر........
كنت المح بعض الجرذان الهاربة من برد الشتاء القاتل الي اي جحر يواريها عن اسنان الليل القارصة التي تبحث عنها وتطاردها في كل مكان
دققت النظر قليلا، ثمة شيء كان يجلس علي مقعد من كومة المقاعد المتهالكة علي المحطة كان هذا الشيء يشبة هيئة الانسان!!
اقتربت منة واه لو انني تذكرت قصص الاشباح التي كنا نتبادلها عن هذا المكان ونحن صغار وكان الواحد منا يباهي بمقدار ما يعرف منها ليخيف باقي زملائه لو انني تذكرت واحدة منها ما اظنني كنت اقتربت منة خطوة واحدة!
ولكن ربما لفضولي الذي زرعته في الاسفار او ربما رغبتي في زيادة حصيلتي القصصية بقصة جديدة أباهي بها عواجيز قريتنا حين أعود جعلني اقترب منه............
لم يكن شبحا بالطبع كان غلاما صغيرا ولكن هيئته في البداية ما كانت لتنبيء بشي ء عن كنهه او عمره ......
فقد كان يلف ذراعيه حول جسده النحيف دافنا رأسه بين ركبتيه ليتقي بذلك سياط البرد المنهالة علية من كل اتجاه.......
كان يبدوا مثل كرة شراب ضخمة ملفوفة في بقايا من قماش مهتريء لايكاد يستر منها اكتر مما يفضح............
رفع رأسة ببطء والتقت عيناي بعينيه كانت قسمات وجهه الصغير تحمل تجاعيدا عجيبة رسمها حزن عميق علي وجه هزيل، كانت عيناه تبعث ألافاَ من الرسائل مما افهمه ومما لا افهمه!
كان خائفا منى.. هذا ما لمسته من الذعر البادي في عينيه الغائرتين.
إعتقدت انه كان يظنني شبحا كما ظننته انا في البداية لعل احدا من اقاربة كان يتصنت علينا ونحن نحكي عند الترعة تلك القصص؟!
لم يتركني الفتي غارقا في افكاري كثيرا فقد كسر ذعره فجأة واشاح بيده غير مكترث في وجهي صارخا:"غور يا عم روح شوف مين اللي قتلك انا مش ناقصك انا فيّه اللي مكفيني!!"
قتلني!!؟ بهتتني شجاعته ونسيت ان أساله كيف اوتي هذا الحظ الوفير من الجرأة لكني رددت سريعا عليه": يا بني مين اللي قتلني انا قدامك حي ارزق انا انسي زي زيّك!"
صرخ ثانية: "وعايز اية؟؟"
رددت بسرعة:"انا عايز اساعدك انت تاية"
ضحك في اسي :" تايه؟! واللة انت اللي تاية انا مش تاية يا سيدي ارتحت؟"
سألت ببرأة" :طب ايه اللي مضايقك؟"
رد بسخرية مريرة ":سؤال غبي يعني عايزني اقوم ارقص واطبل واحنا في البرد والخرابة دي؟"
ااااااه.....
اصطادني الشقي،لأول مرة أشعر أني وقعت في إستفسار غير مناسب أو طرح بشكل لا يلائم هذا الطفل العنيد...
الححت في السؤال ثانية:"معلش يا سيدي هدي خلقك انت شايل طاجن ستك لية قوللي اية اللي مقعدك هنا؟"
نظر الفتي الي لوهلة ولابد انة احس ببعض الارتياح وقال ":انا قاعد مستني القطر عشان اروّح اودّي الايراد لاأبويا..!"
سألته مسرعا": ايراد ايه؟"
رد بضجر:" ايراد الطعمية والعيش اللي انا سارح بيهم دول مش شايفهم؟؟"
تهدجت نبرات صوته فجأة واحسست ان الكلمات تخرج من فمة كغابة من الاشواك تنبت في حلق رضيع لم يتجاوز الثانية من عمره..!
استطرد في اسي":انا عارف ان ابويا هيسلخ جلدي علي الطعمية والعيش اللي انا مبعتهومش دول..!:طب اعمل اية الناس مش عايزه تاكل أأكلهم بالعافية؟؟؟"
وفجأة رفع بصرة الّي ولمعت عيناه في إهتمام وقال في استعطاف:
بقولّلك اية يا بيه تشتريهومش ينوبك ثواب؟
"الطعمية زي العسل سخنة نار والعيش كمان ..!"
ضحكت رغما عني فلم تكن الطعمية الا اقراصا من الحجارة السوداء المتجمدة ،وكان من يتأمل أرغفة الخبز يشفق عليها ويعتقد انها احد الناجين من تحت جليد سفينة تيتانيك!!!!!!!!
صمتت برهة قطعها صوت قطار اتي من بعيد
نظر القتي الي ثانية وزاد في شحتفتة قائلا:
"هاة يا بيه ربنا يخلييك!! "
رددت مبتسما:" ماشي انا هاخدهوم كلهم عايز كام؟"
رد في لهفة :" 4 جنيه"
رددت:"ادي يا سيدي عشرين جنيهوابقي هات حاجة حل..."
لم أكد انهي عبارتي حتي استعد القطار لدخول المحطة, ولم يكد الفتي يلتقط مني ال "العشرين جنيه" حتي اخذ يشمها ويتحسسها كأنه يتأكد من شيء ما ثم صرخ: "ربنا يخليك يا بيه ربنا يعلّيّ مراتبك اوعي يابيه تبلّغ عنّي وتقول اني سرقتك"
استطرد وهو يلملم نفسه إستعداد للحاق بالقطار:"انا مستعد اجيبلك كل يوم لحد البيت طعمية سخنة موهوجة اديني العنوان وانا خدامك !"
رددت في حنان:"متشكر يا حبيبي انا.....". قطع عبارتي صوت صفير القطار معلنا مغادرة المحطة..!
وكما توقعت كان هذا اخر قطار يقوم في هذة الساعة المتأخرة.....
عاود الفتي الصراخ:"انا ماشي يابية عايز اي حاجة ربنا يخلييك يا بية ربنا يعلّي مراتبك !"
بدا صوتة وهويكررها يختلط باصوات قدميه النحيفتين وهو يجري ليلحق بالقطار راودني قلق عليه ممتزجا بضحك مشفق من منظره لكنه سرعان ما ذاب في القطار وهو ينطلق حقا كان ماهرا في مثل هذة الاشياء!
كان الفتي نحيفا للغاية حتي ان عيني لم تر يديه وهي تلوحان لي بعدما ركب القطار لكنني خمنت ان تلك العصا المتحركة يمينا وشمالا والتي تبقت منة خارج القطار هي يده!!!
غاب القطار عن عيني والتهم سكون الليل اخر صوت لصفيره وهو يناضل ليصل الي اذني........ !
رحل الغلام ولكنة ترك بداخلي الالافا من الاسئلة التي لاتعرف لها خطوط الشيب في رأسي ادني اجابة!
لكن لعل معظمها يؤدي الي نتيجة واحدة ...لست وحدي الذي اسافر في الليالي الباردة !
الجمعة، 19 ديسمبر 2014
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)